الوحدة في مشروع الإمام الحسين (ع)

نشره tohusain يوم اثن, 2007-02-05 15:01.

بقلم: حسين الصباغ:

      يروي ابن قتيبة وعدد من المؤرخين أن يزيد بن معاوية شكا إلى والده رغبته الجامحة في الزواج بامرأة قرشية تدعى أرينب بنت إسحاق، والتي اشتهرت بعظيم حسنها وبراعة جمالها وكثرة مالها، فتلكأ معاوية في ذلك إلى أن تزوجها ابن عمها عبد الله بن سلام، إلا أن يزيد قد أكثر من الإلحاح في أمرها، والتحسر على فقدها، فعمد معاوية إلى تدبير حيلة تحقق لابنه غايته، حيث غرر بعبد الله بن سلام أنه يزوجه من ابنته إذا طلق أرينب، وأنه يرى فيه خيرا ويستعظم شأنه، فانطلت الحيلة على عبد الله بن سلام وطلق زوجته التي أحبها نتيجة اشتراط ابنة معاوية ذلك عليه، ولكن معاوية كما هي عادته غدر بعبد الله بن سلام ولم يزوجه بابنته وأعرض عنه وجفاه. 


      ولما أن أرسل معاوية بن أبي سفيان أبا الدرداء الى العراق خاطباً أرينب إلى ابنه يزيد، كان قد وصل إليها وبها يومئذ الإمام الحسين (ع)، فقال أبو الدرداء: "هذا ابن بنت رسول الله وسيد شباب أهل الجنة فلست بناظر في شيء قبل التسليم عليه" فلما رآه الإمام الحسين (ع) قام إليه فصافحه ورحب به فأخبره أبو الدرداء بما جاء له وأنه رأى أن لا يبدأ بأي أمر قبل التسليم عليه، فشكر له الإمام الحسين(ع) ذلك وقال له "أخطب رحمك الله علي وعليه وأعطها من المهر مثل ما بذل لها"، فاستجاب أبو الدرداء لما قاله الإمام الحسين (ع)، ودخل عليها وقال: خطبك أمير هذه الأمة وولي العهد يزيد بن معاوية وابن بنت رسول الله وابن أول من آمن به وسيد شباب أهل الجنة"، فقالت إليه: "قد فوضت أمري بعد الله إليك" فقال: "ابن بنت رسول الله أحبهما إلي"، فقالت: "قد رضيته فتزوجها الإمام الحسين (ع)، وأخفق معاوية في غايته، وكان عبد الله بن سلام قد استودعها مالاً وقيل درراً وكان معاوية قد جفاه لسوء قوله فيه فرجع عبد الله بن سلام الى العراق وهو يخاف جحودها لما سلف منه فلما قدم لقي الإمام الحسين (ع) وذكر له ذلك فأخبرها الإمام الحسين (ع) به، فلما وجد بينهما مجالا للصلح، أعادها إليه، وكان لم يدخل بها.


      هذه الحادثة التاريخية البسيطة تشير إلى مدى عناية الإمام الحسين (ع)، بشؤون الناس وقضاياهم، كما وتشير إلى اهتمام الإمام الحسين (ع) بوحدة النسيج الأسري والعائلي بين الناس، حتى وإن تطلب ذلك منافسة في خطبة لابن السلطان يزيد بن معاوية، وما سوف يترتب على ذلك من استعظام للأمر وضغينة في القلب من قبل من لم يكن لهم أي هم سوى إشباع غرائزهم وإن كان ذلك على حساب مصالح الناس في دمائهم أو أعراضهم أو أموالهم.


      ولا شك أن عناية الإمام الحسين (ع) بوحدة الأمة الإسلامية وشوكتها لا يقل أبدا عن عنايته بنسيج أسرة مسلمة مستضعفة، وعليه كيف نفهم خروج الإمام الحسين (ع) على الحكم الأموي المتمثل في يزيد بن معاوية آنذاك؟ وكيف نفهم رفضه لأن يبايع يزيد بالرغم من كل مؤشرات الصراع التي تؤكد حسم خيار المواجهة العسكرية إلى الجانب الأموي؟ وكيف بهذه الصورة يتم الرد على تهمة الإمام الحسين (ع) بأنه شق عصى المسلمين، وفرقهم شيعاً ؟


      هذه الأسئلة تتبادر إلى أذهاننا فيما يرتبط بموضوع الوحدة، لأننا نفهم الوحدة عادة على أنها اجتماع جماعة ما على أمر ما بغض النظر عن كنه هذا الأمر أو عدالته، وقد تكون مشكلة العديد من دعوات الوحدة التي تنطلق في بعض الأزمنة والأمكنة في هذا السياق، والوحدة إذا كنا مهتمون بفهمها يوضحها إلينا القرآن الكريم في قوله تعالى: ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا )، وفي قوله أيضا: ( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون )، فالوحدة فيما نفهم من آيات القرآن الكريمات تتحقق بالاجتماع المقترن بالحق، والذي يتمثل في "حبل الله" حيناً وفي "العبادة" حيناً آخر، أما  الاجتماع على غير سبيل الله – عز وجل – فهو اجتماع سطحي لا يحقق التماسك الحقيقي والتآخي الإنساني الذي تنشده البشرية جمعاء، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: ( تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى )، فاجتماع المشركين في عدوانهم على الرسول (ص) والإسلام لا يحقق لهم الوحدة الحقيقية التي يأتلف من خلالها الناس.


      ومن هنا نفهم الوحدة التي دعا إليها الإمام الحسين (ع)، والوحدة التي دعا إليها الأمويون، فالوحدة الحسينية تتحدث عن اجتماع الناس حول المبادئ والقيم التي علمهم إياها رسول الله (ص) وأوصاهم بها: ( إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي )، بينما كانت على النقيض تلك الوحدة الأموية التي دعا إليها يزيد بن معاوية، فهي الوحدة القائمة على غلبت السيف، وقوة القهر، واستبداد الرأي، وإذلال أبناء الأمة، فهي وحدة الثأر الأموي الذي عبر عنه يزيد بن معاوية في نشيده، لما أن تمكن من قتل الإمام الحسين (ع) وأنصاره من بني هاشم:


 
ليت أشياخي ببدر شهدوا     
                                       جزع الخزرج من وقع الأسل
لأهـلوا واستهلوا فرحا   
                                 ثم قالوا يا يزيد لا تشل
قد قتلنا القرم من ساداتهم  
                               وعدلناه ببدر فاعتدل
لعبت هاشم بالملك فلا         
                                 خبر جاء ولا وحي نزل

      وبالفهم الحقيقي لمعنى الوحدة التي دعا إليها الدين، نستوعب عناية الإمام الحسين (ع) بها، فلقد التزم طيلة عشر سنين بالقبول بخلافة معاوية التزاما منه بالصلح الذي عقده الإمام الحسن (ع) معه، التزم بذلك بالرغم من مخالفة معاوية لجل شروط الصلح إن لم نقل جميعها، وخصوصا بعد رحيل الإمام الحسن (ع)، كما وأن حركة الإمام الحسين كانت ملتزمة بطلب الحوار والقبول به إلى آخر لحظة من حياته، فبالرغم من كل مظاهر الاستعداد التي ظهر بها الجيش الأموي في كربلاء للنيل منه فإنه كان يعظهم ويدعوهم إلى تحكيم الدين والعقل، فيطلب منهم أن يذكروا نسبه تارة، ويجادلهم في خيارات أن يتجه ركبه إلى يزيد حتى يحاوره باعتبارهما كلاهما من قريش، أو أن يرجع إلى مدينة جده ما دام أهل الكوفة الذين أكثروا إليه كتبهم قد نكثوا بوعودهم، ثم يبدي أعلى درجات المرونة والمسؤولية اتجاه الواقع الإسلامي ووحدته وسلامته عندما يطلب منهم أن يتجه إلى ثغر من ثغور المسلمين مجاهدا ومدافعا عن مصالحهم.

ولكنهم كانوا يصدون أمام كل تلك الخيارات مشددين على رضوخ الإمام الحسين (ع) ونزوله على أمر أميرهم أو الشهادة، فما كان جوابه إلا أن قال: "ألا وإن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين، السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، بأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون". فإن كانت المسؤولية التاريخية اتجاه حفظ الإسلام في قيمه الأساسية، وفي مفاهيمه المرتبطة بالحكم والمشروعية والكرامة تتطلب من الإمام الحسين الدماء، فهو على كامل أهبته لتقديم الدماء، ليكتفي بالنداء: ( اللهم إن كان هذا يرضيك، فخذ حتى ترضى ).


نشره مجهول (لم يتم التحقق) يوم سبت, 2007-04-21 00:38.

.. .. .. .. .. يا صفوي

 

 اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ..

المحرر

نشره مجهول يوم اثن, 2007-02-12 19:20.

موضوعك سيق وممتع ويبدو لي أنه نشر في إحدى مجلات عاشوراء من قبل ..

 

 

علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

وسومات الوحدة في مشروع الإمام الحسين (ع)