قراءة نقدية لمبادرات إصلاح التعليم والتدريب في البحرين

نشره tohusain يوم أحد, 2007-07-29 00:10.

تقرير- مطر إبراهيم:   

 

لقد كانت المبادرة الوطنية لتطوير التعليم والتدريب في مدرسة الهداية الخليفية مؤخرا نتيجة  لورشة تطوير التعليم والتدريب الذي تأسست على إثرها لجنة المشروع الوطني للتعليم والتدريب، تلك الورشة التي كانت قد سلطت الضوء على الظواهر الخطيرة التي تحوم في مجال التعليم والتدريب.

 

 

إلا أن المتتبع لتلك الورش يجد أنها لم ترتق للتشخيص الحقيقي لمعضلات التعليم والتدريب بل اكتفت بتبيان بعض الأعراض، فعلى الرغم مما طرحته الأوراق المقدمة عن أكثر من جهة من مظاهر أساسية ومهمة للخلل فإن هذه الورشة لم تكن بجرأة ورشة إصلاح سوق العمل في ملامستها لطبيعة المشكلة و مدى خطورتها. وقبل أن تستعرض الأسباب العديدة التي تجعلنا نقلل من قيمة ما قدمته تلك الورشة فإننا نجد عنوان الورشة في حد ذاته أول مظاهر التراجع بين مستوى ورشة إصلاح سوق العمل وهذه الورشة التي جاءت تحت عنوان التطوير ولم تأت بعنوان الإصلاح وهو عنوان تشم منه رائحة السعي للتنكر  لحجم المشكلة التي يشهدها هذا القطاع الحيوي.

 

  

ولقد عرضت في تلك الورشة ثلاث أوراق واحدة حول التعليم الأساسي والأخرى حول التعليم الجامعي والأخيرة حول التدريب، حيث بدا واضحا رغبة كل طرف في عمليات التدريب والتطوير إلقاء وزر تخلف هذا القطاع على الطرف الآخر، فالجامعة تتحدث عن ضعف مدخلاتها من خريجي المرحلة الثانوية، ووزارة التربية تتحدث من ضعف كادرها التدريسي الذي ألقت عليه الأعباء كلها، وهي تلمح إلى أن أكثره جاءها عن جامعة البحرين، وهكذا .. والمؤسف بشدة أن المبادرات الوطنية لتطوير التعليم والتدريب جاءت مبتعدة عن التحرك لمعالجة المشكلات الرئيسية للتعليم و التدريب في البلاد. فعلى الرغم من أهمية هذه المبادرات في حد ذاتها وعلى الرغم من التطور الذي شهدته المؤسسات الرسمية في التخطيط لهذا القطاع عبر الدراسات التي سبقت الإعلان عن هذه  المبادرات، فإنه لا يمكن القول أن القيادة السياسية للبلاد تنظر لتطوير التعليم والتدريب كأولوية و لا يزال هذا القطاع للأسف الشديد غير جاذب للكفاءات الوطنية.

 

  

مبادرات التطوير

 

  طرحت في الأجواء الاحتفالية المصاحبة لإطلاق المبادرات عدة مشاريع كان من أبرزها مشروع إنشاء كلية تقنية (Polytechnic )، وذلك من أجل أن تقدم مقررات في العلوم الصناعية والعلوم التطبيقية تمكن الطلبة البحرينيين من الحصول على المؤهلات الفنية والتطبيقية بدرجة الدبلوم أو البكالوريوس، بالإضافة إلى مشروع إنشاء كلية جديدة لتدريب المعلمين كما جاء من ضمن المبادرات مشروع وحدة مستقلة لمراجعة جودة التعليم الجامعي تهتم بضبط الجودة في كل الجامعات البحرينية وذلك عن طريق مراجعة ونشر تقارير دورية حولها بهدف تسهيل دخول الطالب الجامعي لسوق العمل، كما يفترض بهذه الوحدة أن تقوم بمراجعة أداء الجامعات ومقارنتها بمجموعة من مؤشرات الجودة المطابقة للمعايير الدولية، على أن يتولى خبراء تقييم الأداء ومناقشته مع المسئولين في الجامعة المعنية. كما جاء في المبادرة الحديث عن تغيير آليات اختيار الموظفين لجعل مهنة التدريس أكثر جاذبية و من غير المعروف كيف يمكن لتعقيد إجراءات القبول الأثر في الإقبال على هذه المهنة.    لقد جاءت المبادرة الأخيرة كسابقاتها من المبادرات التعليمية والتدريبية بعناوين براقة و بحملة دعائية وعرض جذاب، وعلى نفس الحال كان المشروع الوطني للتوظيف ومشاريع وزارة التربية و التعليم مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لتجويد التعليم، ومشروع مدارس المستقبل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه على الدوام هو: ما مدى مصداقية كل هذه الحملات الدعائية ؟. لقد بدا جليا أن حرص المسئولين على طرح المبادرات الجديدة أكثر من حرصهم على دعم المشاريع و المبادرات القائمة أصلاً وهذه نتيجة طبيعية لأي عمل يحرص على النجاح الإعلامي فقط، وهي نتيجة طبيعية  أيضاً لأي مشروع ينطلق بخبرات أجنبية لم تدرس – أي تلك الخبرات الأجنبية – بتأن تلك المبادرات والمشروعات القائمة أصلاً.    

مشروع إنشاء كلية تقنية (Polytechnic)  

 

  

ولقد جاء التفكير بإنشاء كلية تحمل اسما حديثاً ورائجاً هذه الأيام و هو الـ  Polytechnic،  ولكن السؤال الملح هنا: هل هناك ما يمنع أن يكون معهد البحرين الوطني معهداً تقنياً Polytechnic،  وهل هناك ما يمنع أن تكون كلية التلعيم التطبيقي بجامعة البحرين كلية تقنية ؟. بالطبع ليس هناك ما يمنع ولكن لو جرت الأمور بهذا الشكل فكيف ستأخذ هذه المبادرات بريقها؟. لقد عانى معهد البحرين للتدريب من تهميش كبير طيلة السنوات الفائتة وكان حرياً بالمسئولين التفكير في تطويره، و ليس هناك ما هو أدل على تهميش هذه المؤسسة من الميزانية المرصودة له والتي لا تتجاوز الثلاثة ملايين والنصف. ومنذ عام 2003 وحتى العام 2008 لم ترتفع ميزانية المعهد فلساً واحداً على الرغم من الارتفاع الكبير في ميزانية الدولة، وبمعنى آخر فإن نسبة ما تنفقه الدولة على هذه المؤسسة الحيوية هو في تراجع مستمر. فلقد عملت الحكومة على الدوام على تغطية العجز في هذه الميزانية عن طريق تقديم منح و هبات غير مدرجة في الميزانية السنوية لتظل الميزانية على حالها دون أن تلزم الحكومة نفسها بالتعهد بتقديم هذه الإضافات بشكل سنوي خصوصاً وأن المبالغ الإضافية هي مبالغ مخصصة للمشاريع الإنشائية وليس للمصروفات المتكررة. و لما كان الوضع كذلك فقد تلحظ مباني جديدة مشيدة بالمعهد ولكنك لن تلحظ أبدا تطوراً مماثلاً في البرامج والمناهج وفي وسائل التقييم والقياس كما لن تلحظ التطور في البرامج التدريبية للكادر التعليمي ولن تلحظ  أية قدرة على استقطاب الكفاءات البحرينية في هذه المؤسسة الوطنية.

 

  وكما أن المبادرات  قد أهملت تطوير معهد البحرين للتدريب فقد أهملت المبادرات الجديدة إصلاح وضع كلية التعليم التطبيقي الحديثة النشأة بجامعة البحرين. هذه الكلية التي أنشأة في ذروة الورطة التي شهدتها الجامعة في قبول أعداد تفوق طاقتها الاستيعابية وتفوق الميزانية المخصصة لها. و قد جاءت هذه الورطة إثر مكرمة لم تخصص لها ميزانية إضافية ضمن المخصص السنوي للجامعة، ولم يكن هناك المسئولين الذين يتحلون بالشجاعة الكافية للتصريح بعدم قدرة الجامعة على استقبال كل هذه الأعداد من الطلبة دون مضاعفة الموارد والميزانيات.   لقد جاءت الكلية بشكل ارتجالي وبعناوين براقة كان من أبرزها تلبية احتياجات سوق العمل.

و ستبدي لنا الأيام القادمة صدق هذه المقولة من عدمها مع أول دفعة تتخرج من الكلية. فلقد أدى الارتجال في إنشاء الكلية إلى أن يعتمد بعض المدرسين على مناهج منسوخة مباشرة من الإنترنت. فلقد عانت الكلية من الإرباك نتيجة قبول أعداد كبيرة من الطلبة تفوق طاقتها الاستيعابية أيضا و انعكس ذالك سلباً على أهم شعار رفعته الكلية و هو شعار التطبيق والممارسة في الوقت التي كانت فيه المختبرات عاجزة عن استقبال الطلبة لوقت كافي. وهنا يأتي سؤالنا الملح: أين هي المبادرات لتطوير ومعالجة هذه الأخطاء المتراكمة وهل الحكومة جادة في تنحية من فشلوا و استبدالهم بطاقات مؤهلة بعيداً عن التسييس.    

مشروع إنشاء وحدة مستقلة لمراجعة جودة التعليم الجامعي  

 إن إنشاء هذه الوحدة المستقلة سيكون له دور بارز في أداء تقييم ومراجعة حقيقية وضع التعليم العالي ولكن ما يقلقنا أن يتبدل الموقف عند تطبيق هذا الشعار الجميل على أرض الواقع، فقد جاء مجلس التعليم العالي بنفس الشعارات وجاء تشكيلته متخمة بالمسئولين الحكوميين ممن هم برتبة وكلاء ووزراء و لا يزالوا يصرون ويدافعون عن استقلالهم. فهل سيأتي تشكيل هذه الوحدة باستقلالية مماثلة؟ وإذا كان مجلس التعليم العالي مستقلاً حقاً فما الحاجة لإنشاء وحدة جديدة مطلوب منها أن تؤدي نفس الدور؟ أمام كل هذا الاستغفال للمشاريع القائمة والتي هي بحاجة لإصلاح حقيقي يبدو للمتابع أننا لسنا أمام حكومة بل حكومات متنافسة وكل طرف يخرج بمبادرات تتجاهل الطرف الآخر، ولا تجتمع تلك المبادرة إلا على استنزاف مبالغ طائلة. كرواتب وكمكافآت ومصروفات إعلامية واستعراضية وغيرها.   

 

ومن جهة ثانية، إذا كانت الرغبة صادقة لقفل الدكاكين التعليمية المسمية بالجامعات الخاصة حرصاً على جودة التعليم؟ فلماذا لم يقم مجلس التعليم الحالي بمبادرات جادة لوقف التدهور والتلاعب الموجود في تلك الجامعات؟ ولماذا جاء تركيزهم على قضايا هامشية كتعميم مقرر تاريخ البحرين وإنشاء مراكز وهمية للأبحاث. فلو كانت الرغبة صادقة في الإصلاح فلن نكون بحاجة لمؤسسات جديدة أما في غياب هذه الرغبة فلن نجني غير الهدر لميزانية الدولة و مواردها.

 

  

مشروع إنشاء كلية جديدة لتدريب المعلمين

 

  إن إنشاء هذه الكلية جاء بعد أن تركزت الملاحظات حول وضع التعليم الأساسي على مستوى المعلمين ومستوى المخرجات الجامعيةّ، كما جاء في الورقة التي قدمتها وزارة التربية في ورشة تطوير التعليم والتدريب والتي ألقت فيها كل المسؤولية على المعلمين بشكل سافر، وكانت الإشارة للمستوى المتأخر للطلبة في مقررات الرياضيات والعلوم واللغة الإنجليزية، وقد هاجمت الورقة مستوى المدرسين وسوء تقيمهم ونقص المهارات التدريبية لديهم على حد وصفها. كما انتقدت الورقة شح الساعات التدريبية مقارنة بما عليه الحال بسنغافورا. و من البيانات المستغربة في هذه الورقة هي الإشارة إلى أن أعباء التدريس تصل إلى 10 حصص أسبوعيا في مدارس البحرين، فمن غير المعروف على أي أسس إحصائية تم حساب هذا العدد في الوقت الذي يدرس الكثير من المدرسين من حولنا بأعباء كاملة تصل إلى 20 حصة أسبوعية. لقد أساءت الورقة استغلال الرقم الخاص بعدد الحصص فقد تم توجيه الموضوع لعدم إنتاجية المعلم البحريني وكان حري بالورقة الإشارة إلى سوء توزيع أعباء التدريس بين المدرسين. كما أغفلت الورقة نقص الكادر الإداري والإشرافي لتوكل هذه المهام للمدرسين أنفسهم دون تفرغ، ولم يكن من اللائق أبدا أن ترتكب هذه الورقة خطأ إحصائي حين تشمل المشرفين غير المتفرغين للتدريس في العدد الكلي للمدرسين. و عند استثناء المشرفين والمدرسين الذين ينالون و بشكل استثنائي نصاب أقل فمن المتوقع أن ينال المدرس البحريني أعلى نصاب تدريسي في المنطقة الخليجية.    

 

وبهذا تكون الورقة قد أخفت خللا أساسيا في الوضع التعليمي في المملكة حيث أن تشغيل المدرس بنصاب زائد يؤثر وبشكل مباشر في تراجع المخرجات، ولا ينبغي لوزارة التربية أن تنظر للمدرس على أنه عبأ مالي بدون إنتاجية بل كان عليها أن تطرح احتياجاتها المالية بجرأة. وقد انعكس هذا الخلل على المبادرات التي أطلقت مؤخراً. ففي الوقت التي يحتاج يحتاج فيه المعلمون للتدريب المستمر فهم بحاجة للتفرغ لهذا التدريب وهم بحاجة للتقدير المقنع بعد اجتيازهم لهذه البرامج التدريبية.

 

  إن من المؤكد أن يكون هناك أثر طيب للتطبيق الصحيح للشعارات المرفوعة في هذه المبادرات و لكن تظل هذه المبادرات بعيدة عن ملامسة جوهر مشاكل التعليم و التدريب و يمكن اختصار هذه المشكلة في تساؤلين ... هل التعليم والتدريب ملف يشكل بالفعل أولوية وطنية؟ وهل ستجعل هذه المبادرات مهنة التدريس أكثر جاذبية؟


( تصنيفات: | )

علِّق

Please solve the math problem above and type in the result. e.g. for 1+1, type 2
محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.
معلومات أكثر عن خيارات التنسيق

وسومات قراءة نقدية لمبادرات إصلاح التعليم والتدريب في البحرين